ابن عجيبة
173
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَلِكُلٍّ من الإنس والجن دَرَجاتٌ ؛ مراتب ، مِمَّا عَمِلُوا من أجل أعمالهم بالخير والشر ، فهم متفاوتون في النعيم والعذاب ، وظاهر الآية : أن الجن يثابون ويعاقبون ؛ لأنهم مكلفون ، وهو المشهور ، واختلف : هل يدخلون الجنة أم لا ؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء موقوفا : أنهم يكونون ترابا كسائر الحيوانات ، وروى عن أبي حنيفة مثله ، وذهب الجمهور - وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبى يوسف ، وغيرهم ؛ أنهم يثابون على الطاعة ويدخلون الجنة . ثم اختلفوا ، هل يدخلون مدخل الإنس ، وهو الأكثر ، أو يكونون في ربض الجنة ، وهو عن مالك وطائفته ، أو أنهم أصحاب الأعراف ، أو التوقف عن الجواب ؟ في هذا أربعة أقوال ، والله تعالى أعلم بغيبه . وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق عليه من ثواب أو عقاب . وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ عن العباد وعبادتهم ، ذُو الرَّحْمَةِ يترحم عليهم بالتكليف ، تكميلا ، ويمهلهم على المعاصي حلما ، وليس له حاجة في طاعة ولا معصية ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيها العصاة ، وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ من الخلق ، كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ؛ فأنشأكم قرنا بعد قرن ، لكنه أبقاكم رحمة بكم ، إِنَّ ما تُوعَدُونَ من البعث وما بعده ، لَآتٍ لا محالة ، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ؛ تعجزون قدرة الله الطالب لكم بالبعث والحساب . الإشارة : كما أن الحق تعالى لم يعذب الكفار إلا بعد إرسال الرسل ، كذلك لا يعاقب أهل الإصرار إلا بعد بعث الأطباء ؛ وهم أهل التربية النبوية ، فكل من لم يصحبهم وينقد إليهم مات مصرا على الكبائر - أي : كبائر القلوب - وهو لا يشعر ، فيلقى الله بقلب سقيم ، فيعاقبه الحق تعالى على عدم صحبتهم ، ومعاتبته له : بعده عن مشاهدته وعن مقام المقربين ، فإذا رأى مقام المقربين وقربهم من الحضرة ، قال : غرتنا الحياة الدنيا وزخارفها ، وجاهها ورياستها ، وشهد على نفسه أنه كان غافلا . فحكمة وجود الأولياء في كل قرن ؛ لتقوم الحجة على أهل الغفلة ، فإذا وقع البعد لقوم لم يكن الحقّ ظالما لهم ، فالدرجات على حسب المقامات ، والمقامات على حسب الأعمال ، وأعمال القلوب هي التي تقرب إلى حضرة علام الغيوب ، بها يقع القرب ، وبالخلو عنها يقع البعد . وعليها دلت الأولياء بعد الأنبياء ، لأن الأنبياء جاءوا بالشريعة الظاهرة والحقيقة الباطنة ، فمن رأوه أهلا لسر الحقيقة دلّوه عليها ، فكان من المقربين ، ومن رأوه ضعيفا عنها دلوه على الشريعة ، فكان من أصحاب اليمين . وبالله التوفيق . ثم أمره بتهديد قريش وتخويفهم ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 135 ] قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 135 )